لم يعد الليل في ليبيا يبدأ مع غروب الشمس، بل مع همهمة المولدات الخاصة حيث تغرق أحياء بأكملها في الظلام ويترك أولئك الذين لا يستطيعون تحمل تكاليف الطاقة البديلة يتحملون الحرارة.

وسط موجة حارة شديدة مع درجات حرارة تتجاوز 48 درجة مئوية (118 درجة فهرنهايت)، أشعل انقطاع التيار الكهربائي المزمن موجة جديدة من الاحتجاجات والعصيان المدني في جميع أنحاء العاصمة طرابلس والمناطق المحيطة بها.

القصص الموصى بها

قائمة من 3 عناصرنهاية القائمة

وبسبب الإحباط بسبب انقطاع التيار الكهربائي الذي يستمر حوالي 10 ساعات في اليوم، قام المتظاهرون، وأغلبهم من الشباب، بإغلاق الطرق الرئيسية، وإحراق الإطارات، وحاصروا المباني العامة. كما أفرغ المتظاهرون حمولة شاحنة من التراب خارج وزارة الخارجية في طرابلس، ومنعوا الوصول إلى المبنى، حيث طالبوا بالمحاسبة عن الفساد المزعوم والحل الفوري للمؤسسات السياسية الليبية المنقسمة.

وتهدف حملة العصيان المدني، التي قادتها حركة سوق الجمعة وانضم إليها الناشطون في تاجوراء وجنزور، إلى شل حكومة الوحدة الوطنية بسبب التدهور الحاد في الخدمات الأساسية.

وأخذت الأزمة منعطفا حادا آخر عندما اقتحمت مجموعة أخرى من المتظاهرين مجمع مليتة للنفط والغاز يوم الثلاثاء، مما أجبر المؤسسة الوطنية للنفط على وقف العمليات في حقل الفيل النفطي وتعليق حقل الوفاء جزئيا. أدى هذا الانقطاع إلى تقييد إمدادات الغاز اللازمة لتوليد الطاقة بشدة، مما أدى إلى تعطيل العديد من وحدات توليد الكهرباء. وعلى الرغم من أن حكومة الوحدة الوطنية قامت في وقت لاحق بتأمين المجمع واستأنفت ضخ الغاز، إلا أن هشاشة قطاع الطاقة في ليبيا لا تزال صارخة.

وبينما تتصارع البلاد مع الاضطرابات الداخلية والبنية التحتية المتدهورة، تواصل الجهات الفاعلة الدولية الضغط من أجل التماسك السياسي. أجرى مسعد بولس، مستشار الولايات المتحدة للشؤون الأفريقية، مؤخرًا مناقشات مع رئيس وزراء حكومة الوفاق الوطني عبد الحميد الدبيبة، مؤكدًا على الحاجة الملحة لتوحيد ليبيا والتعاون الأمني ​​لتحقيق الاستقرار على المدى الطويل ومنع المزيد من تجزئة الدولة.

وليبيا مجزأة منذ عام 2014، عندما دارت حرب بين قوات متمركزة إلى حد كبير في غرب الدولة الواقعة في شمال إفريقيا ضد قوات أخرى متمركزة إلى حد كبير في الشرق. واستمر هذا الانقسام على الرغم من وقف إطلاق النار لعام 2020، حيث تعمل حكومة الوحدة الوطنية المعترف بها دوليا انطلاقا من طرابلس، وإدارة منافسة موالية للقائد العسكري المنشق خليفة حفتر في الشرق.

“سئمت الوعود الفارغة”

بالنسبة لليبيين العاديين، أصبحت الأزمة لا تطاق. وأعربت رؤى ناصف، مهندسة أنظمة الطاقة التي عادت مؤخراً إلى ليبيا بعد قضاء سبع سنوات في الخارج، عن إحباطها.

وقالت للجزيرة إن الليبيين “سئموا الوعود المتكررة” والاعتماد المستمر على الحلول المؤقتة. وشددت على أن تحقيق الاستقرار في الشبكة يتطلب تحديث شبكات النقل واعتماد رؤية طويلة المدى تتضمن الطاقة المتجددة، بدلا من مجرد الإعلان عن المشاريع التي لا تتحقق أبدا.

المشكلة تعاني منها البلاد بأكملها، وليس فقط تلك الموجودة في طرابلس وغرب ليبيا.

وقالت أريج بدر، من سكان بنغازي شرق البلاد، لقناة الجزيرة إن الوضع “مأساوي”. وأشار بدر إلى أن امتلاك مولد هو الآن الطريقة الوحيدة للحصول على وسيلة موثوقة للحفاظ على الطاقة طوال اليوم.

وأوضحت أن انقطاع التيار الكهربائي يعطل إمدادات المياه ويفسد الغذاء، مما يؤدي إلى تفاقم معاناة المرضى وكبار السن بشكل كبير.

انهيار نظامي

وبينما يتصاعد الغضب الشعبي، يشير خبراء الطاقة والمسؤولون السابقون إلى انهيار نظامي كان في طور التكوين منذ عقود.

وقال مسؤول سابق في الشركة العامة للكهرباء الليبية، تحدث لقناة الجزيرة شريطة عدم الكشف عن هويته، إن أحد الأسباب الرئيسية للأزمة هو الفشل في استكمال المشاريع الاستراتيجية الكبرى التي تم إطلاقها قبل عام 2011، بما في ذلك محطة الخليج للطاقة البخارية بالقرب من سرت ومحطة غرب طرابلس للطاقة البخارية.

وقد تم تصميم المحطتين على شكل محطتين مكونتين من أربع وحدات بقدرة إجمالية مخططة تبلغ 1400 ميجاوات لكل منهما. لكن مشروع غرب طرابلس لا يزال غير مكتمل، في حين تم ربط اثنتين فقط من وحدات سرت الأربع التي تبلغ طاقتها 350 ميجاوات بالشبكة، مما ترك نصفها غير مكتمل.

وقد جعلت هذه التأخيرات ليبيا أكثر اعتمادا على المرافق القديمة، التي يحتاج الكثير منها إلى صيانة واسعة النطاق. وقال المسؤول السابق إن التحسن النسبي في الكهرباء خلال عامي 2023 و2024 نتج إلى حد كبير عن محطات تعمل بالغاز تم التعاقد عليها قبل سنوات، وليس إلى إصلاح شامل للقطاع.

وأضاف أن تلك المشاريع عززت القدرة وقلصت العجز، لكنها لم تلغيه ولم تواكب الزيادة السنوية في الطلب، والتي قدرها بـ 600 ميغاوات.

وقال خبير الطاقة أحمد المسلاتي إن التركيز فقط على قدرة التوليد يتجاهل أيضًا نقاط الضعف الخطيرة في البنية التحتية في ليبيا ويؤخر الصيانة، مما يعني أنه لا يمكن دائمًا توصيل الكهرباء بشكل موثوق، حسبما قال لقناة الجزيرة.

وأضاف أن استئناف مصر لصادرات الكهرباء في يوليو/تموز لم يقدم سوى تخفيفاً محدوداً، حيث وفرت حوالي 70 ميجاوات – وهي مساهمة صغيرة مقارنة باحتياجات ليبيا الإجمالية.

وقال ربيع خليفة، المتحدث باسم وزارة الكهرباء في الحكومة الموازية في شرق ليبيا، لقناة الجزيرة إن الانقطاعات الأخيرة لم تكن ناجمة فقط عن نقص الوقود، موضحا أن خط نقل بقدرة 400 كيلو فولت قد فشل في ظل ذروة الطلب في الصيف.

وأدى ذلك إلى عمليات إغلاق متتالية في محطات الطاقة وانخفاض حاد في تردد الشبكة مما أدى إلى انهيار واسع النطاق.



المصدر


اكتشاف المزيد من صحيفة رصد الإلكترونية

اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.

شاركها.
اترك تعليقاً

اكتشاف المزيد من صحيفة رصد الإلكترونية

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

متابعة القراءة