تحت سماء منطقة دارفور في السودان، تتكشف حقيقة يومية قاتمة: تختفي عائلات بأكملها، وتُحرق قرى وتُسوى بالأرض، وتتعرض النساء لعنف جنسي مروع، وتُنهب الممتلكات.
وتخضع المنطقة الكبيرة في غرب السودان لسيطرة قوات الدعم السريع شبه العسكرية، التي تقاتل القوات المسلحة السودانية منذ عام 2023، واتُهمت بارتكاب هذه الفظائع.
القصص الموصى بها
قائمة من 3 عناصرنهاية القائمة
المعارضة غير مرحب بها في الأراضي التي تسيطر عليها قوات الدعم السريع، لكن فرق المراقبة السرية التي تعمل بهدوء لتوثيق الانتهاكات تعمل مع اللجنة الوطنية لحقوق الإنسان في السودان، تجمع الأدلة على أمل أن يتم استخدامها في نهاية المطاف لتحقيق العدالة للضحايا المدنيين.
تعمل فرق المراقبة في ظل ظروف قاسية، وتحمل هواتف محمولة صغيرة لتوثيق ما يمكنها توثيقه.
توثيق جريمة الإبادة الجماعية
وفي مقابلة مع الجزيرة، كشف رحمة الله محمدين أبكر، مدير قسم دارفور بالمركز الوطني لحقوق الإنسان، عن التحديات المذهلة التي تواجهها فرقه الميدانية. وذكر أنه على الرغم من التهديدات الأمنية الشديدة، واصلت الفرق جهودها مدفوعة بالالتزام المؤسسي للمركز الوطني لحقوق الإنسان وتفويضه بمراقبة حالة حقوق الإنسان في السودان.
تعمل الفرق الميدانية سرًا وتعتمد على شبكة من السكان المحليين باستخدام طرق اتصال آمنة لتجنب اكتشافها، وتقول إنها وثقت نمطًا منظمًا من العنف العرقي الذي يستهدف المدنيين في كل مدينة تقع تحت سيطرة قوات الدعم السريع.
إن حجم الفظائع مذهل. وقال أباكر إن قوات الدعم السريع نفذت عمليات إعدام جماعية ترقى إلى مستوى الإبادة الجماعية، مضيفًا أن المجلس القومي لحقوق الإنسان يمتلك تقارير موثوقة عن مقابر جماعية في كل من الجنينة والفاشر، المدينتين اللتين سيطرت عليهما قوات الدعم السريع في عامي 2023 و2025 على التوالي.
كما وثّق المركز الوطني لحقوق الإنسان ما يقرب من 4000 حالة عنف جنسي في جميع أنحاء دارفور، 20 بالمائة من الضحايا فتيات تحت سن 18 عامًا. ويتماشى هذا مع تقرير يونيو 2026 الصادر عن مفوضية الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان، والذي سلط الضوء على الوحشية غير المسبوقة وحجم العنف الجنسي المرتبط بالنزاع في السودان.
تحقيقات دولية تؤكد ذلك
وتعكس الأدلة الشعبية التي جمعها المراقبون السريون للمجلس الوطني لحقوق الإنسان بشكل وثيق نتائج التحقيقات الدولية الأخرى التي أجريت مؤخرا.
وخلصت بعثة تقصي حقائق تابعة للأمم المتحدة مؤخرًا إلى أن حملة العنف المنهجية التي شنتها قوات الدعم السريع أثناء وبعد حصارها للفاشر ترقى إلى مستوى الإبادة الجماعية. ووثق تحقيق الأمم المتحدة عمليات القتل الجماعي والاغتصاب الجماعي والتجويع المتعمد للمدنيين كجزء من سياسة متعمدة. وأفاد المحققون عن روايات عن تعرض الناجين للاغتصاب في غرف لا تزال فيها جثث المدنيين الذين قُتلوا مؤخراً، بما في ذلك أفراد عائلاتهم، ملقاة على الأرض.
كما اتهمت منظمة العفو الدولية قوات الدعم السريع بارتكاب جرائم ضد الإنسانية والتطهير العرقي في الفاشر بين أوائل عام 2024 وأكتوبر/تشرين الأول 2025. وخلال حصارها المطول للمدينة، فرضت قوات الدعم السريع قيوداً شديدة على المساعدات الإنسانية، مما أدى إلى مجاعة أجبرت السكان اليائسين على تناول علف الحيوانات من أجل البقاء.
عشرات الآلاف من المعتقلين
وبعيداً عن أعمال القتل والعنف الجنسي، يظل الاحتجاز التعسفي يمثل أزمة حرجة. وقال أباكر إن قوات الدعم السريع تحتجز حاليا 1480 مدنيا في الفاشر وحدها، بينهم 446 طفلا و360 امرأة، منتشرين في مراكز احتجاز مختلفة بالمدينة.
والوضع أكثر خطورة في نيالا، عاصمة جنوب دارفور. وكشف أبكر عن وجود نحو 10 آلاف معتقل في سجن الدقرس بالمدينة، منهم 9 آلاف امرأة.
وطالب أبكر بالإفراج الفوري عن المعتقلين وفقا للبروتوكولات الدولية الخاصة بالنزاعات المسلحة، مؤكدا أن احتجاز المدنيين دون محاكمة يعد انتهاكا صارخا للقانون الدولي الإنساني.
دورة متكررة من العنف
وأدى الصراع في السودان، الذي اندلع في أبريل 2023، إلى مقتل عشرات الآلاف وتشريد ما يقرب من 14 مليون شخص. وعلى الرغم من التقدم العسكري الأخير الذي حققته القوات المسلحة السودانية وحلفاؤها في غرب دارفور، لا تزال قوات الدعم السريع متهمة بارتكاب فظائع في معاقلها المتبقية – وهي ادعاءات تقول إنها “مفبركة”.
وقال أباكر إنه مع اقتراب القوات المسلحة السودانية وحلفائها من الجنينة، فإنهم يشهدون أدلة على انتهاكات حقوق الإنسان في القرى التي يمرون بها. وقال المسؤول الحقوقي إن استمرار الجرائم على ما يبدو يثير تساؤلات جدية حول فعالية آليات المساءلة العالمية في ظل عدم وجود رادع حقيقي يمنع قوات الدعم السريع.
وتواجه الفرق الميدانية للمركز الوطني لحقوق الإنسان عقبات هائلة في سعيها لتوثيق هذه الجرائم. وسلط أبكر الضوء على الصعوبات البالغة في الوصول إلى مواقع الانتهاكات ومراكز الاحتجاز بسبب السيطرة الإقليمية لقوات الدعم السريع، إلى جانب عدم تعاون المجموعة شبه العسكرية والميليشيات المتحالفة معها. علاوة على ذلك، قال إن الصراع الدائر يعيق جمع الأدلة ويجعل حماية الشهود شبه مستحيلة.
حجر الزاوية القانوني للعدالة في المستقبل
وعلى الرغم من النقص الحاد في الموارد، فإن أعمال التوثيق التي يقوم بها مراقبو حقوق الإنسان تعتبر حيوية للمحاكمات المستقبلية.
وقال عبد الناصر سالم، خبير الأمن وإدارة الأزمات ومدير برنامج شرق أفريقيا في مركز فوكس للأبحاث ومقره السويد، لقناة الجزيرة إن الانتهاكات تمثل تحديا عميقا للقانون الإنساني الدولي. وبموجب اتفاقيات جنيف لعام 1949، فإن جميع أطراف النزاع ملزمة باحترام الحق في الحياة، ويحظر عليهم تنفيذ عمليات القتل خارج نطاق القضاء، والتعذيب، والاحتجاز التعسفي، والاعتداء على الكرامة الإنسانية.
وأشار سالم إلى أن استهداف المجموعات العرقية وعمليات القتل الجماعي والعنف الجنسي على نطاق واسع والاعتقالات غير القانونية من المرجح أن تشكل جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية بموجب نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية. وأضاف أن التوثيق الميداني الذي يقوم به المركز الوطني لحقوق الإنسان سيشكل حجر الزاوية في أي عملية قضائية مستقبلية، سواء كانت وطنية أو دولية، محذرا من أن استمرار الإفلات من العقاب لا يجرد الضحايا من حقوقهم فحسب، بل يقوض الإيمان العالمي بسيادة القانون.
وكرر أباكر هذا الرأي، داعيا المجتمع الدولي إلى حماية فرق حقوق الإنسان على الأرض ودعم جهود التوثيق التي تبذلها. وحذر من أنه بدون مساءلة حقيقية، سيظل المدنيون محاصرين في دائرة لا نهاية لها من العنف.
وحاولت الجزيرة الاتصال بقوات الدعم السريع للتعليق على هذه الانتهاكات الموثقة، لكنها لم تتلق أي رد حتى وقت النشر. وسبق أن نفت الجماعة شبه العسكرية استهداف المدنيين ووعدت بمحاسبة أي مخالفين في صفوفها.
اكتشاف المزيد من صحيفة رصد الإلكترونية
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.
