النصيرات، قطاع غزة – عندما فتحت نجوى أبو عطيوي عينيها في 11 أكتوبر/تشرين الأول 2024، بعد أسابيع في غيبوبة، لم يكن تفكيرها الأول مدى إصاباتها، بل رغبتها في رؤية نفسها. كانت تعرف أن شيئاً مهماً قد تغير، لكنها لم تفهم مدى التغير الذي طرأ على مظهرها بعد الغارة الجوية الإسرائيلية التي أصابت منزلها في مخيم النصيرات وسط غزة.
طلبت نجوى، البالغة من العمر الآن 42 عاماً، من المحيطين بها مراراً وتكراراً أن يسمحوا لها برؤية وجهها، لكنهم أخروا اللحظة خوفاً من الصدمة التي قد يسببها ذلك.
القصص الموصى بها
قائمة من 3 عناصرنهاية القائمة
تقول نجوى: “ظللت أطلب أن أرى كيف أبدو، لكنهم كانوا يعطونني مسكنات للألم وأدوية لتهدئتي”.
لاحقًا، أخبرها الأطباء بالحقيقة: لقد فقدت إحدى عينيها، وما زالوا يحاولون إنقاذ الأخرى التي أصيبت بنزيف داخلي.
عندما نظرت أخيرًا إلى المرآة للمرة الأولى، كان الأمر كما لو أن شخصًا آخر كان يحدق بها. وقد تغير وجهها، الذي تميز بإصابات وكسور خطيرة، بشكل كبير.
وتتذكر قائلة: “نظرت إلى نفسي ولم أعرف من أنا. شعرت كما لو كنت أنظر إلى شخص آخر، فقلت: من هذا؟”.
ولم تتفاقم الصدمة إلا لاحقًا، عندما علمت نجوى أن ابنتها هاجر قُتلت أيضًا في الغارة الجوية التي أدت إلى نقل نجوى إلى المستشفى. ولم تكن هاجر سوى أيام قليلة تفصلها عن الاحتفال بعيد ميلادها السادس.
لكن بعد مرور شهر على استفاقتها من غيبوبتها، لم تعلم نجوى بالخسارة المأساوية. خلال فترة وجودها في العناية المركزة، حلمت بهاجر وطلبت مراراً وتكراراً من المحيطين بها أن يطمئنوها بأن ابنتها في أمان. وعلمت لاحقًا بالحقيقة المؤلمة، إذ لم تتح لها الفرصة أبدًا لرؤية ابنتها للمرة الأخيرة أو توديعها، وهي الخسارة التي تظل إلى جانب الألم الجسدي الناجم عن إصاباتها.
لقد واجهت نجوى طريقًا طويلًا من العمليات الجراحية والعلاج وإعادة التأهيل. تم وضع صفائح وشبكات معدنية على وجهها، وهي لا تزال تكافح من أجل فتح فكها والتحدث وتناول الطعام.
تقول نجوى: “ما زلت لا أستطيع تناول الطعام بشكل طبيعي. نظامي الغذائي يقتصر على الحساء والماء والعصائر والحليب”. وهي لا تزال تنتظر الفرصة للسفر لتلقي العلاج المتخصص بعد أن أخبرها الأطباء أن بعض الإجراءات التي تحتاجها غير متوفرة داخل غزة – نتيجة لسنوات من الحصار الإسرائيلي والدمار الذي أحدثته حرب الإبادة الجماعية الإسرائيلية على غزة، والتي أودت بحياة أكثر من 73000 شخص.
إصابات معقدة
يقول الدكتور أيمن صيدم، استشاري جراحة تجميل العيون، إن حالة نجوى من بين الإصابات الأكثر تعقيدًا التي عالجها، والتي تنطوي على صدمة شديدة في العين والوجه والفك.
عندما وصلت للعلاج لأول مرة، كانت نجوى قد تعرضت لإصابة في عينها اليمنى أدت إلى فقدانها، بالإضافة إلى كسور في عظام الوجه وتمزق في الجفون. كما أصيبت عينها الأخرى أيضًا حول التجويف، مما أضعف قدرتها على إغلاق جفنها بالكامل، مما خلق خطرًا إضافيًا على بصرها.
يوضح صيدم أن علاج مثل هذه الإصابات لا يمكن أن يبدأ بإجراءات التجميل وحدها، لأن المشكلة الأساسية هي بنية الوجه المتضررة.
“جراحة العيون التجميلية في مثل هذه الحالات يجب أن تعتمد أولاً على إعادة بناء الوجه والفكين [restoring the face, jaw, neck, and mouth]لأن الإجراءات التجميلية وحدها لا تستطيع تصحيح التشوهات الهيكلية.
خلال الحرب الإسرائيلية، عالج صيدم العديد من الإصابات الناجمة عن الشظايا والانفجارات، بما في ذلك الكسور الحجاجية (العظام المكسورة حول العين)، وتمزقات الجفن، وفقدان أنسجة الوجه، والإصابات التي أدت إلى فقدان العين أو تطلبت عمليات جراحية ترميمية معقدة.
ويوضح أن بعض المرضى يحتاجون إلى مراحل متعددة من العلاج قبل الحصول على عين صناعية أو استعادة جزء من مظهرهم السابق. إعادة بناء الوجه ليست إجراءً واحدًا، بل هي سلسلة من التدخلات تعتمد كل مرحلة فيها على نجاح المرحلة السابقة.
يقول صيدم: “في غزة، يوجد أطباء ماهرون لديهم المعرفة والخبرة اللازمة، لكن المشكلة الرئيسية تكمن في نقص الموارد والمعدات والإمدادات الطبية”.
ويوضح أن النقص في بعض المواد المستخدمة في العمليات الجراحية، بما في ذلك بعض البراغي وقطرات العين، يمكن أن يؤخر مراحل العلاج ويبطئ عملية الشفاء. ويعود العديد من هذا النقص إلى القيود الإسرائيلية المفروضة على الواردات إلى غزة، والتي استمرت على الرغم من “وقف إطلاق النار” الذي تم التوصل إليه في أكتوبر/تشرين الأول، والذي تنتهكه إسرائيل بانتظام.
بالنسبة لنجوى، لا تزال رحلة العلاج مستمرة. لقد حصلت على تحويلة للعلاج في الخارج لكنها لا تزال تنتظر الإذن بمغادرة غزة، بينما تعيش كل يوم مع الألم وصعوبة الحركة وتحديات الوصول إلى المستشفيات.
حالتها ليست حالة معزولة. لقد تسببت الحرب الإسرائيلية في إصابة آلاف الأشخاص في غزة بإصابات معقدة تتطلب علاجاً وإعادة تأهيل على المدى الطويل.
وبحسب منظمة الصحة العالمية، فإن نحو ربع الإصابات المسجلة في غزة تصنف على أنها مغيرة للحياة. أكثر من 50 ألف إصابة تتطلب خدمات إعادة تأهيل طويلة الأمد. وهي تشمل فقدان الأطراف، والحروق الشديدة، وغيرها من الصدمات المعقدة الناجمة عن القصف والانفجارات.

الجروح النفسية للحرب
نجوى ليست المريضة الوحيدة التي احتاجت إلى دعم نفسي بعد إصابتها. يواجه العديد من الأشخاص الذين عانوا من تشوه الوجه الناجم عن القصف، بما في ذلك الحروق الشديدة أو كسور الوجه أو فقدان العين أو إصابات الشظايا، صراعات نفسية قد تكون مؤلمة مثل جروحهم الجسدية.
يقول الدكتور حسن أبو شاويش، الطبيب النفسي في عيادة الصحة النفسية في دير البلح والذي عالج نجوى، إن حالتها كانت من بين الحالات الأكثر صعوبة بسبب تعرضها لعدة تجارب مؤلمة في نفس الوقت: إصابتها الجسدية، وفقدان ابنتها، والتغير الدراماتيكي في مظهر وجهها.
ويوضح أن مثل هذه الإصابات يمكن أن تؤدي إلى اضطراب ما بعد الصدمة (PTSD)، واضطرابات القلق، والاكتئاب، واضطراب صورة الجسم، حيث يجد المرضى صعوبة في قبول مظهرهم الجديد. وقد يؤدي هذا إلى انسحاب بعض الناجين من الحياة الاجتماعية أو تجنب التفاعل مع الآخرين.
ويقول إن الرعاية النفسية جزء أساسي من التعافي إلى جانب العمليات الجراحية الترميمية، مما يساعد المرضى على التكيف مع التغيرات الجسدية، وإعادة بناء ثقتهم، والعودة إلى المجتمع.

أبعد من البقاء
قبل إصابتها، عاشت نجوى حياة مختلفة تماماً. عملت، وخرجت، وكانت محاطة بالروابط العائلية والاجتماعية. وهي تحاول الآن إعادة بناء حياتها بينما تتحمل آلام فقدان ابنتها وتتكيف مع التغيرات العميقة التي طرأت على وجهها وجسدها.
يبقى فقدان هاجر من أعمق الجراح التي تحملها نجوى. تصف ابنتها بأنها طفلة مرحة وذكية ومجتهدة، وتقول إنها تشبه والدتها، وهو التشابه الذي يجعل غيابها أكثر إيلاما.
تقول نجوى إنها ترى هاجر في أحلامها باستمرار. وتقول: “في رأيي، ابنتي مسافرة وستعود”. “كل يوم أقول: متى ستعود؟”
تحاول نجوى أن تضع ألم خسارتها جانبًا. كانت رحلتها منذ الغارة الجوية طويلة – حيث استعادت ما لا يزال من الممكن استعادته في حياتها: وجهها، وقدرتها على التحدث وتناول الطعام، وثقتها بنفسها، واتصالها بالعالم من حولها.
وبينما تنتظر فرصة السفر واستكمال علاجها، تتمسك بالأمل في أن تتمكن ذات يوم من استعادة المزيد مما سلبتها الحرب منها.
وتقول: “أريد العودة إلى حياتي السابقة واستعادة الشخصية الجميلة التي كنت أعرفها في نفسي”.
اكتشاف المزيد من صحيفة رصد الإلكترونية
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.
