وفي غزة، لا يحتاج الجيش الإسرائيلي سوى إلى تحريك كتلة خرسانية صفراء بضعة أمتار لإعادة كتابة الجغرافيا على الأرض. تم وضع هذه الكتل في الأصل كعلامات ميدانية بعد وقف إطلاق النار لفصل القوات الإسرائيلية عن المناطق المقرر انسحابها، وقد تحولت إلى خط جبهة متقدم.

ووفقاً لمكتب تنسيق الشؤون الإنسانية (أوتشا)، فإن منطقة الوصول المقيدة هذه، والتي تسميها إسرائيل “الخط الأصفر”، توسعت لتغطي 64.9 بالمائة من قطاع غزة بحلول يونيو/حزيران 2026، مقارنة بـ 53 بالمائة في وقت سابق من العام.

بالنسبة للفلسطينيين، تمثل هذه العلامات المتغيرة واقعًا يوميًا للتهجير القسري. المكتب الإعلامي الحكومي بغزة المسجلة 3795 انتهاكا إسرائيليا لوقف إطلاق النار، أدت إلى استشهاد 1168 فلسطينيا منذ اتفاق “وقف إطلاق النار” في أكتوبر من العام الماضي. وتشير بيانات الأمم المتحدة إلى أن ما يقرب من ثلث هذه الوفيات حدثت في مناطق قريبة من خط ترسيم الحدود المتقدم هذا.

كابوس اليقظة في دير البلح

بعد أوامر الإخلاء التي بثتها المروحيات الإسرائيلية مساء الجمعة 17 يوليو، قال حازم سعيد، أحد سكان شرق دير البلح، لقناة الجزيرة إن المركبات العسكرية تقدمت تحت جنح الظلام.

ودفعوا الكتل الصفراء لمسافة تتراوح بين 300 و350 مترًا (984 إلى 1148 قدمًا) غربًا، وهددوا بإطلاق النار على أي شخص يرفض المغادرة.

وأدى التحول المفاجئ إلى وضع الحواجز الكونكريتية مباشرة على شارع السلطان عثمان، ومصادرة أراضي زراعية وسكنية واسعة تابعة لعائلات أبو غريبة وأبو غالبة وأبو بليمة والترهوني.

وأوضح سعيد: “تم الآن وضع المكعب الأصفر على بعد مترين إلى أربعة أمتار (6 إلى 13 قدمًا) من منازل المواطنين”. وأشار إلى أن عائلات مثل بن سعيد واللوح وأبو غربة تجد نفسها الآن تعيش غرب الخط مباشرة، بعد أن فقدت الأراضي الزراعية التي كانت مصدر رزقها الوحيد.

“موت زاحف” في الزيتون

وفي حي الزيتون شرق مدينة غزة، أقامت 71 عائلة نازحة مخيماً مؤقتاً يسمى “أهل الصمود” في شارع صلاح الدين، على بعد 70 متراً (230 قدماً) فقط من “الخط الأصفر”. وقال مشرف المخيم رمضان أبو عمو للجزيرة إنهم لم يختاروا الموقع من أجل السلامة، لكن ليس لديهم مكان آخر يذهبون إليه.

وقال أبو عمو: “أرواحنا نحمل على أكفنا، لكن أين نذهب؟ ليس لدينا مكان آخر”، مشيراً إلى أن الشظايا تتساقط بشكل شبه يومي. وأضاف أن والديه لا يزالان مدفونين تحت أنقاض منزله القريب، حيث تُمنع فرق الإنقاذ من الوصول إلى المنطقة المحظورة حديثًا.

ووصف الصحفي الفلسطيني سعيد حسب الله، الذي يعيش بالقرب من المخيم، الكتل المتقدمة بأنها “الموت الزاحف”، موضحا أن إطلاق النار والقصف المكثف يسبقان تحركهما دائما. وقال للجزيرة إن السكان يتعرضون لإطلاق النار الحي مباشرة على منازلهم لإخراجهم، قائلا: “الاحتلال يريد طردنا بالقوة، لكن الأهالي متمسكون بأرضهم”.

محو الشمال

وفي شمال غزة، يرافق التقدم في “الخط الأصفر” محو كامل للمشهد الطبيعي. وقال أحد السكان سهيل عودة للجزيرة إن الخط تقدم لمسافة تصل إلى 1.5 كيلومتر (حوالي ميل واحد)، ويمتد من شارع السكة بالقرب من بيت حانون إلى شارع ترانس بالقرب من دوار الشيخ زايد. ووصف كيف تقوم الجرافات الإسرائيلية بتسوية المنازل بالأرض يومياً، بينما تقوم المروحيات الرباعية بتفجير المباني المتبقية خلف الخط.

وبحسب عودة، نصبت قوات الاحتلال حواجز ترابية ضخمة على مرتفعات تل الزعتر، وأقامت أبراج مراقبة توفر مراقبة مباشرة للمنطقة. وقد حول هذا الحي إلى منطقة مراقبة عسكرية مفتوحة.

وذكر أيضًا أن الجماعات المسلحة المحلية الموالية لإسرائيل تقوم بشكل روتيني باعتقال الشباب والاعتداء عليهم بالقرب من الخط، مستشهدًا بحادث وقع مؤخرًا حيث تعرض شاب للضرب بالقرب من دوار جنزير في بيت لاهيا وتم تسليمه إلى الجيش.

الضم بالتصميم والخدمات المشلولة

ويؤدي هذا التوسع إلى شل الحياة المدنية في جميع أنحاء الأراضي الفلسطينية. وقال محمد السرساوي، مسؤول الإعلام في بلدية غزة، للجزيرة إن الفرق البلدية لم تعد قادرة على الوصول إلى ما يقرب من نصف مدينة غزة، بما في ذلك الشجاعية وشرق التفاح والزيتون وأجزاء من منطقة الدرج.

وقامت الخطوط المتقدمة بعزل آبار المياه الحيوية ومرافق الصرف الصحي وغرف التحكم الرئيسية. ومع حشر أكثر من نصف سكان المدينة البالغ عددهم 950 ألف نسمة في جزء صغير من مساحتها الأصلية، حذر السرساوي من أن الضغط على البنية التحتية المتداعية يهدد بكارثة بيئية وصحية طويلة الأمد.

وتتوافق هذه الشهادات الميدانية مع استراتيجية متعمدة لترسيخ السيطرة العسكرية. لاحظ المحلل السياسي أحمد الطناني أن إسرائيل تنتقل من الانسحاب المرحلي إلى توسيع قبضتها الإقليمية من 195 كيلومترًا مربعًا (75.3 ميلًا مربعًا) إلى 235 كيلومترًا مربعًا (90.7 ميلًا مربعًا). وحذر من أن إنشاء مواقع عسكرية على طول الخط يعكس ما أعقب حرب عام 1967، عندما تم احتلال الضفة الغربية – بهدف تحويل الوجود المؤقت إلى مستوطنات طويلة الأجل.

وقد تم تعزيز هذا الترسيخ من خلال تحقيق أجرته وحدة المصادر المفتوحة في قناة الجزيرة، والذي حدد 40 موقعًا عسكريًا إسرائيليًا دائمًا في جميع أنحاء غزة، تم بناء العديد منها بالكامل من الصفر بعد “وقف إطلاق النار” العام الماضي.

إن نية الضم ترددها القيادة الإسرائيلية علنًا. وخلال تجمع حاشد مؤخراً، احتفل وزير الأمن القومي إيتمار بن جفير بالتوسع، قائلاً: “لو قال شخص ما قبل ثلاث سنوات إننا سنسيطر على 70% من قطاع غزة، لم يكن أحد ليصدق ذلك… غزة لنا”.

وفي الوقت نفسه، لا تزال المساعدات الإنسانية إلى غزة وسفر المدنيين خارج القطاع مقيدة بشدة، حيث تبلغ معدلات امتثال إسرائيل لكليهما حوالي 35 بالمائة، مما يترك القطاع مختنقًا خلف حدود تتغير باستمرار.



المصدر


اكتشاف المزيد من صحيفة رصد الإلكترونية

اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.

شاركها.
اترك تعليقاً

اكتشاف المزيد من صحيفة رصد الإلكترونية

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

متابعة القراءة