أدى التصعيد العسكري المفاجئ في اليمن إلى انهيار هدنة هشة وغير رسمية استمرت أربع سنوات، مما يهدد بتوسيع الصراع الجيوسياسي المستمر إلى البحر الأحمر وقطع أحد شرايين الطاقة الأكثر حيوية في العالم.
وبعد أيام من الخطابات المتصاعدة، قصفت الحكومة اليمنية المعترف بها دوليا مدرج مطار صنعاء الدولي يوم الاثنين لمنع طائرة إيرانية من الهبوط. وفي رد انتقامي سريع، أطلق المتمردون الحوثيون صواريخ باليستية باتجاه جنوب المملكة العربية السعودية، متهمين الرياض بالوقوف وراء الهجوم على المطار – وأعلنوا أن عصر التصعيد مع الجارة الأكبر لليمن قد انتهى رسميًا.
وبينما يتركز العنف المباشر على النزاع حول المطار، يحذر المحللون من أن الخطر الحقيقي يكمن في كيفية انتقال هذا التصعيد المحلي إلى مضيق باب المندب، إذا توسع.
نقطة اشتعال مطار صنعاء
إن السبب وراء الأزمة الأخيرة يسلط الضوء على خطوط الصدع الإقليمية العميقة التي تمر عبر اليمن. وبررت الحكومة اليمنية، بدعم من التحالف الذي تقوده السعودية، هجومها على المطار بالادعاء بأن الرحلة الإيرانية كانت تقل خبراء عسكريين وتكنولوجيا الطائرات بدون طيار ومعدات الاتصالات.
من ناحية أخرى، أصر المسؤولون الحوثيون على أن الطائرة كانت تنقل أكثر من 200 مريض تقطعت بهم السبل إلى جانب وفد عائد من جنازة المرشد الأعلى الإيراني الراحل آية الله علي خامنئي في طهران. وقام الحوثيون في نهاية المطاف بتحويل الرحلة إلى الحديدة وردوا بإطلاق صواريخ باليستية على مطار أبها الدولي بالمملكة العربية السعودية، والتي قال التحالف الذي تقوده السعودية إنه اعترضها.
ممر بحري ذو جبهتين
يأتي تجدد العنف في اليمن في وقت محفوف بالمخاطر بالنسبة للتجارة العالمية. ومع قيام إيران بإغلاق مضيق هرمز بشكل فعال مرة أخرى وسط حربها المستمرة مع الولايات المتحدة وإسرائيل، أصبح باب المندب نقطة ضغط حرجة.
وقال إبراهيم فريحات، أستاذ حل النزاعات الدولية في معهد الدوحة للدراسات العليا، لقناة الجزيرة، إن “الوضع في اليمن، أو منطقة باب المندب بأكملها، كان على برميل بارود منذ اليوم الأول للحرب”، مشيراً إلى أن “امتداد” الصراع إلى المناطق المحيطة كان أمراً لا مفر منه.
بالنسبة لطهران، فإن تحويل التركيز إلى البحر الأحمر يوفر ثقلًا استراتيجيًا موازنًا للحصار البحري الذي تفرضه واشنطن في الخليج. وقد حذر علي أكبر ولايتي، أحد كبار مستشاري المرشد الأعلى الإيراني، أكثر من مرة من أن “محور المقاومة” – وهو تحالف مدعوم من إيران يضم الحوثيين – لديه القدرة على إغلاق الممرين المائيين.
وحذر محمد الشرقاوي، أستاذ حل النزاعات الدولية، من أنه مع تزايد الضغوط الأمريكية والحصار البحري على مضيق هرمز، قد تسعى إيران إلى إيجاد منفذ جديد من خلال حلفائها الإقليميين. وقال الشرقاوي للجزيرة: “إذا اندلعت أزمة باب المندب بالتوازي مع أزمة هرمز، فسنواجه حركة الكماشة التي تضرب استقرار الخليج وأمنه”.
ويبدو أن هذه الاستراتيجية محسوبة. وأشار محمد صالح صدقيان، مدير المركز العربي للدراسات الإيرانية، إلى التصريحات الأخيرة لقائد فيلق القدس الإيراني، إسماعيل قاآني، الذي تحدث عن تشكيل “حزام بين مضيق هرمز وباب المندب” لحماية محور المقاومة.
“بوابة الدموع”
والمعروف تاريخياً باللغة العربية باسم “بوابة الدموعونظراً للمخاطر التاريخية الناجمة عن الملاحة في مياهه الضيقة، فإن مضيق باب المندب يمثل عنق الزجاجة الذي يبلغ طوله 29 كيلومتراً (18 ميلاً) ويربط البحر الأحمر بخليج عدن والمحيط الهندي.
ويمر عبره ما يقرب من 12% من التجارة العالمية يوميًا، بما في ذلك سفن الحاويات المثقلة بالأحمال التي تسافر بين آسيا وأوروبا.
والأهم من ذلك أن المضيق عبارة عن ممر ضخم للطاقة. وفي عام 2024، بلغ متوسط تدفقات تجارة النفط عبر باب المندب 4.0 ملايين برميل يوميًا. هو – هي بمثابة طريق أساسي لنقل النفط الخام والمنتجات البترولية المكررة والغاز الطبيعي المسال نحو الأسواق الأوروبية وأمريكا الشمالية.
سيناريو الإغلاق
ومع مرور حركة المرور بالكاد عبر مضيق هرمز وسط التصعيد الأخير في القتال بين الولايات المتحدة وإيران، فإن إغلاق باب المندب سيكون كارثيا على أسواق الطاقة العالمية.
وأعلنت إيران إغلاق مضيق هرمز، وأعاد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب فرض حصار بحري على جميع السفن المرتبطة بإيران التي تحاول المرور عبر هذا الممر المائي.
إذا تم إغلاق باب المندب ومضيق هرمز في وقت واحد، فسيتم حظر ما يقرب من 25% من إجمالي إمدادات النفط والغاز في العالم. وستضطر السفن إلى تغيير مسارها حول الطرف الجنوبي لأفريقيا عبر رأس الرجاء الصالح، مما يضيف ما بين 10 إلى 14 يومًا إلى جداول التسليم. ومن شأن هذا التحول أن يؤدي إلى ارتفاع تكاليف الشحن والتأمين بشكل كبير، مما يؤدي إلى صدمة اقتصادية عالمية حادة.
وقال بيل بوتنام، القائد السابق لقيادة جاهزية المخابرات العسكرية الأمريكية، لقناة الجزيرة: “إذا قرر الحوثيون الرد، معتقدين أن السعودية هي التي بدأت ذلك … فسيؤدي ذلك إلى تصعيد أكبر، وأنا أكثر قلقًا بشأن الملاحة البحرية في البحر الأحمر”.
تهديد الالتفافية السعودية
كما أن إغلاق باب المندب من شأنه أن يحيد الميزة الاستراتيجية الكبرى التي تمتلكها المملكة العربية السعودية.
على عكس جيرانها الخليجيين – مثل الكويت والبحرين وقطر والإمارات العربية المتحدة، الذين توقفت صادراتهم من الطاقة إلى حد كبير بسبب إغلاق مضيق هرمز – نجحت المملكة العربية السعودية إلى حد ما في التحايل على الحصار باستخدام خط أنابيب الشرق والغرب.
ويربط خط الأنابيب الذي يبلغ طوله 1200 كيلومتر (745 ميلاً)، والذي تديره شركة أرامكو السعودية، منشآت بقيق النفطية في الشرق بمدينة ينبع الساحلية على البحر الأحمر. وقد استعاد خط الأنابيب هذا مؤخرًا طاقته الكاملة البالغة 7 ملايين برميل يوميًا بعد الهجمات، مما سمح للرياض بتصدير كميات هائلة من النفط الخام بأمان بعيدًا عن المياه المتنازع عليها في الخليج.
![منظر جزئي لمصنع بقيق لتكرير النفط في المملكة العربية السعودية في 20 سبتمبر 2019 فايز نور الدين / وكالة الصحافة الفرنسية]](https://www.aljazeera.com/wp-content/uploads/2026/04/AFP__20190920__1KG5TJ__v1__MidRes__SaudiEnergyOilAttack-1775978190.jpg?w=770&resize=770%2C513&quality=80)
ومع ذلك، فإن التصدير من ينبع يعتمد كليًا على بقاء باب المندب مفتوحًا أمام السفن المتجهة جنوبًا إلى الأسواق الآسيوية. وإذا تابعت قوات الحوثي تهديداتها وأغلقت معبر البحر الأحمر، فإن الممر الالتفافي الناجح للمملكة العربية السعودية سيصبح عديم الفائدة، مما يؤدي إلى محاصرة نفطها إلى جانب نفط جيرانها وإغراق الاقتصاد العالمي في أزمة أعمق.
اكتشاف المزيد من صحيفة رصد الإلكترونية
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.
