في 16 نوفمبر/تشرين الثاني 2023، عاش منزل عائلة الحاج في حي الزيتون بمدينة غزة بسعادة تحت سقف واحد، ولم يتوقع أحد أن يكون هذا آخر يوم لهم معًا.
كان المبنى المؤلف من ثلاثة طوابق يعج بحياة أكثر من 30 من أفراد الأسرة الممتدة، تتراوح أعمارهم بين 4 سنوات و40 سنة، إلى أن أدت غارة جوية إسرائيلية إلى تقليص حجمه. منزلهم إلى أنقاض.
القصص الموصى بها
قائمة من 4 عناصرنهاية القائمة
فداء حاجي، 34 عاماً، وأطفالها الأربعة – رائد، محمد، هالة ورغد – الذين كانوا يعيشون في غرفة خارجية نجوا، لكن بقية أفراد الأسرة في المبنى الرئيسي – قُتلوا جميعاً. وكان من بينهم زوج فداء، عدنان حاجي، البالغ من العمر 34 عاماً.
اتجهت فداء وأطفالها جنوبًا إلى منطقة أكثر أمانًا نسبيًا في غزة، حيث نصبوا خيمًا على الشاطئ. وعندما أُعلن وقف إطلاق النار في أكتوبر 2025، عادوا إلى الزيتون واستقروا مؤقتًا بالقرب من منزلهم السابق، لكن الحطام أصبح تذكيرًا يوميًا بخسارتهم المأساوية التي تثقل كاهل قلوبهم.
وقالت لقناة الجزيرة: “لا أستطيع أن أتخيل أن الأشخاص الذين أحبهم ما زالوا تحت الأنقاض … الفكرة وحدها تكسرني كل يوم”. “ما يؤلمني أكثر من الفقد هو أنني لم أستطع توديعهم أو دفنهم.. وكأن الحزن لا يزال معلقا”.
وفي وقت لاحق، تمكن شقيقها من انتشال جثة عدنان ودفنها في باحة مستشفى الشفاء، ليضع حداً مؤقتاً لمأزق الفداء المؤلم، لكن لم يتم بعد إقامة جنازة وتوديع مناسبين.
لم تعد ذكرى
ويصف فداء لحظة العودة بأنها مواجهة غير متوقعة مع مكان لم يعد كما كان عندما غادروا. ترددت في الاقتراب من بقايا منزلها، وهي تفكر: كيف يمكن العودة إلى مساحة كانت تضم كل الأشخاص الذين أحبتهم، والذين لا يزال بعضهم تحت الأنقاض؟
وقالت: “في كل مرة أعود إلى المكان، أحاول إقناع نفسي بأن الأمر ليس هكذا.. لكن عقلي يرفض التصديق أنهما انتهى بهما تحت الأرض دون وداع”.
وبينما كانوا يحاولون الاستقرار في منزلهم، امتلأت المنطقة برائحة غريبة. حاولت أن تتجاهل، لكنها لم تستطع قبول ما حدث بشكل كامل. أما بالنسبة لأطفالها، فقد كانت التجربة أكثر قسوة. وكانوا يخشون الاقتراب من المطبخ أو أجزاء من المنزل، لعلمهم أن بعض أبناء عمومتهم ما زالوا يرقدون حولهم.
وعانت ابنتها هالة من صدمة نفسية واضحة أثرت على قدرتها على تناول الطعام، وظل الخوف يسيطر عليها من أن جثث أبناء عمومتها كانت على بعد أمتار قليلة.
في المنزل المدمر، لم تكن الذكريات مجرد صور، بل كانت مصدر قلق يومي متأصل في أصغر تفاصيل حياة الأطفال.
ومن القصص التي بقيت محفورة بعمق في ذاكرة فداء، قصة شيرين، ابنة أخيها، التي كانت في العشرين من عمرها وكانت طفلة وحيدة. قُتلت في الهجوم، وتركت والديها بمفردهما مرة أخرى.
وقالت: “أعيش بين الحاجة إلى مواصلة حياتي وحقيقة أن جزءاً كبيراً من حياتي لا يزال تحت الأنقاض”.
المواجهة مع الحقيقة
وفي الأول من يوليو/تموز، حاولت عائلة الحاج انتشال جثث أحبائها بأنفسهم. وعلى الرغم من نقص الموارد والمعدات الثقيلة، تمكنوا من انتشال ست جثث لعائلاتهم.
وكانت مواجهة مؤلمة مع حقيقة مؤجلة منذ أكثر من عامين، خاصة أن التعرف على الرفات كان في غاية الصعوبة نظرا لطول المدة التي مرت منذ مقتلهم.
وتعكس معاناتهم واقعا أوسع تعيشه آلاف الأسر في غزة. وبحسب الدفاع المدني في غزة، لا تزال آلاف الجثث محاصرة تحت أنقاض المباني المدمرة، فيما تتواصل عمليات انتشال الجثث بوتيرة بطيئة للغاية بسبب النقص الحاد في معدات الحفر.
وحذرت منظمات إنسانية من أن التأخير في انتشال الجثث يسبب أضرارا نفسية للعائلات التي تعيش في حالة من “الحزن المعلق”. وأحباؤهم غائبون وحاضرون في نفس الوقت ــ لم يدفنوا ولم يودعوا، بلا نهاية واضحة للحداد.
وبمرور الوقت، يصبح تحديد الرفات أكثر صعوبة بسبب التحلل، مما يضيف طبقة أخرى من العبء النفسي على الأسر التي تنتظر منذ سنوات إجابات لم تأت بعد.
وقال إسماعيل الثوابتة، مدير المكتب الإعلامي الحكومي في غزة، إن الواقع يعكس أزمة إنسانية معقدة تترك آثاراً نفسية واجتماعية عميقة على الأسرة.
وأضاف الثوابتة أن “آلاف الجثث لا تزال تحت الأنقاض بسبب صعوبة الوصول إليها وعدم توفر المعدات الثقيلة اللازمة لعمليات انتشالها”.
![الدكتور إسماعيل الثوابتة رئيس المكتب الإعلامي الحكومي. [Lina Abuzayed/Al Jazeera]](https://www.aljazeera.com/wp-content/uploads/2026/07/IMG-20260703-WA0024-1783677587.jpg?w=770&resize=770%2C514&quality=80)
ولا يزال نقص أماكن التخزين يعيق عمل الدفاع المدني في غزة ويخلق “حالة من الخسارة غير المعلنة”، حيث تعاني العائلات من صدمة مستمرة بسبب عدم القدرة على توديع أحبائها.
لقد ترك ذلك ندوباً نفسية عميقة داخل الأسر وفي جميع أنحاء مجتمع غزة، وخاصة بين الأطفال الذين يكبرون دون إجابات محددة حول مصير أمهاتهم أو آبائهم أو إخوتهم.
“الحرب الصامتة” للدفاع المدني
وقال عبد الله المجدلاوي مدير العلاقات العامة والإعلام بالدفاع المدني إن فرقهم تعمل مع اللجنة الدولية للصليب الأحمر التي تمكنت من توفير حفارات لعمليات الإنعاش.
وقال: “مدة المشروع 400 ساعة فقط، وهي بالكاد تكفي لعدد قليل من المنازل”.
وقد أجبر ذلك الفرق على تحديد أولويات المواقع بناءً على معايير محددة، وغالبًا ما تكون تلك المواقع التي تشهد أكبر عدد من الضحايا. تعتمد العملية على تفاصيل صغيرة مثل شهادات الناجين أو الجيران أو المتعلقات الشخصية مثل قطعة ملابس أو نظارات القراءة قد يساعد ذلك فرق البحث في تحديد موقع الرفات البشرية.
وقال: “في بعض الأحيان ندخل بأدوات بدائية، نقطع الحديد بالمطارق والمعدات البسيطة، ونقف عاجزين أمام آلاف الأطنان من الخرسانة”.
“واحدة من أصعب اللحظات هي عندما أحمل فقط ثلاث أو أربع عظام من جسم بشري وأذهب لتسليمها إلى العائلة التي كانت تنتظر العثور على ابنها أو ابنتها. في بعض الأحيان تقول لنا العائلات: أحضروا لنا أي شيء منهم، أي ذكرى، أي عظم يمكننا دفنه”.
![عبد الله المجدلاوي مدير العلاقات العامة والإعلام في الدفاع المدني بقطاع غزة. [Lina Abuzayed/Al Jazeera]](https://www.aljazeera.com/wp-content/uploads/2026/07/IMG-20260702-WA0023-1783677414.jpg?w=770&resize=770%2C513&quality=80)
وتترك تلك المشاهد أثراً نفسياً عميقاً في نفوس العاملين في الدفاع المدني. وعلى الرغم من النظرة العامة إليهم على أنهم أقوياء وصامدون، وغير متأثرين بواجباتهم، فإنهم يواجهون باستمرار بقايا الجثث وصراخ الأمهات. ويصبح ذلك جزءًا من “الحرب الصامتة” التي تبقى معهم لفترة طويلة بعد انتهاء يوم عملهم.
وأضاف: “يرى الناس أن رجال الدفاع المدني أقوياء وشجعان، لكنهم من الداخل على وشك البكاء”.
“أصعب لحظاتي هي أوقات التوقف عن العمل، لأنه عندما تعود أصوات الأطفال تحت الأنقاض إلى ذهني: “عم، لماذا قتلونا؟ يا عم، أين نحن؟” ودعائنا الدائم كفرق الدفاع المدني هو: اللهم ثبت عقولنا بعد كل الرعب والرعب الذي رأيناه”.
![انتشال الجثث شمال غزة. [Lina Abuzayed/Al Jazeera]](https://www.aljazeera.com/wp-content/uploads/2026/07/IMG-20260702-WA0027-1783677690.jpg?w=770&resize=770%2C513&quality=80)
يتذكر المجدلاوي إحدى اللحظات خلال عملية الإنعاش التي من المرجح أن تبقى معه إلى الأبد، عندما عمل فريقه بين الأنقاض للعثور على جثة بينما كانت العائلة تنتظر في مكان قريب.
وعثروا على بقايا فتاة صغيرة، ولكن فقط فروة رأسها، مما يجعل التعرف عليها ممكنًا فقط من خلال التفاصيل الدقيقة، مثل لون الشعر وملامح الوجه المحفوظة جزئيًا. وقال إنها كانت واحدة من أصعب التجارب في حياته.
أثناء أعمال التنقيب في منزل مقصف يُعتقد أنه يحتوي على حوالي 45 جثة، استمرت أعمال التنقيب لمدة ثلاثة أيام متتالية، ولكن تم العثور على اثنتين فقط – أم وطفلها. وعلى الرغم من بذل قصارى جهدهم، لم تتمكن الفرق من تحديد مكان الآخرين.
وأضاف: “لم يبق أي أثر… ولم نعثر على أي عظمة أو أي شيء”. “العائلات تتمسك بأي علامة صغيرة… أي شيء يثبت هذا هو ابنهم أو ابنتهم”.
تخلق مثل هذه التجارب «صدمة متواصلة» لفرق الدفاع المدني، مع مرحلة جديدة من الألم مع كل محاولة للتعرف أو الفهم أو القبول.
بين الصور المنسية، والأماكن التي لم تعد آمنة للذاكرة، والجثث التي لم تُدفن بعد، يتحول الحزن إلى عبئ طويل الأمد، مع عدم وجود فرصة حقيقية للإغلاق أو الشفاء، سواء بالنسبة للعائلات أو المنقذين على حد سواء.
اكتشاف المزيد من صحيفة رصد الإلكترونية
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.
