أدت ضربات الطائرات بدون طيار الأوكرانية طويلة المدى على مصافي النفط الروسية إلى نقص خطير في الوقود في جميع أنحاء البلاد. وأجبروا موسكو، وهي منتج رئيسي للمواد الهيدروكربونية، على البدء في شراء الوقود من الخارج. كما عطلت أوكرانيا طرق الإمداد الروسية شمال بحر آزوف، مما تسبب في نقص حاد في الوقود وانقطاع التيار الكهربائي في شبه جزيرة القرم المحتلة.

وقد أنتجت الهجمات مقاطع فيديو مذهلة لمصافي تكرير تشتعل فيها النيران وعناوين رئيسية تزعم أن “روسيا تخسر”.

ولكن ما فشلوا في تحقيقه حتى الآن هو تغيير حسابات الرئيس الروسي فلاديمير بوتن. وبعد صمت طويل، اعترف بوتين مؤخراً بأن الضربات كانت مؤلمة بالفعل بالنسبة لروسيا. ولكن بدلاً من تخفيف شروطه للتوصل إلى تسوية سلمية، كما كانت أوكرانيا وحلفاؤها يأملون أن يفعل، قدم عرضاً للتحدي والثقة في الأداء.

وفي بيان صدر في 23 يونيو/حزيران، أوضح أنه لم يتراجع عن مطالبه. فهو يريد أن تستند معاهدة السلام إلى الاتفاقية الإطارية التي طورتها أوكرانيا وروسيا خلال محادثات اسطنبول في ربيع عام 2022، بعد أشهر قليلة من العدوان الروسي الشامل. وتضمنت هذه الشروط حياد أوكرانيا ووضع حد أقصى لحجم جيشها، من بين شروط أخرى.

لكن هناك مطالب إضافية تراكمت على مدى أربع سنوات ونصف من الحرب. وهذا ما يشير إليه بوتين بـ”الواقع على الأرض”، وهو ما يمثل كل الأراضي التي احتلتها روسيا حتى الآن. وتريد موسكو الاحتفاظ بها.

وعلاوة على ذلك، فهو يضيف تعبيرا ملطفا آخر: “طريقة الإرساء”، في إشارة إلى الأطر المحيطة بقمة ألاسكا غير الحاسمة بين بوتين والرئيس الأميركي دونالد ترامب في أغسطس/آب 2025. وما تمثله هذه القمة هو الطلب الروسي المقدم في القمة ــ وهو ضرورة انسحاب أوكرانيا من أجزاء منطقة دونباس التي لا تزال تسيطر عليها.

وأخيرا، قام بوتن بشكل مشؤوم بتوسيع مطالبه الإقليمية إلى ما هو أبعد من دونباس إلى ما يسميه نوفوروسيا ــ وهو مصطلح جغرافي غامض مستمد من اسم الإقليم الذي كان موجودا في روسيا الإمبراطورية على أراضي جنوب أوكرانيا اليوم. ربما يكون الغموض مقصوداً: فقد تتراوح التفسيرات من الهدف المتطرف المتمثل في الاستيلاء على مدينة أوديسا الساحلية إلى هدف متواضع ولكنه يظل مؤلماً بالنسبة لأوكرانيا ــ يطالب كييف بالانسحاب من الجزء غير المحتل من منطقة زابوريزهيا، بالإضافة إلى منطقة دونباس.

ومن المرجح أن يعتمد قرار بوتين بمضاعفة مطالبه على حقيقة أن الوضع في البلاد لا يزال مستقرا نسبيا. وعلى الرغم من كل الصور الدرامية لحرق مصافي التكرير وطوابير الانتظار في محطات البنزين، إلا أن معظم الروس شهدوا ما هو أسوأ في حياتهم.

في أعقاب انهيار الاتحاد السوفييتي في أوائل التسعينيات، شهدت البلاد اضطرابات سياسية على مستوى البلاد، أعقبتها حربين في الشيشان والعديد من الهجمات الإرهابية الدموية مثل مسرح دوبروفكا وحصار مدرسة بيسلان.

وفيما يتعلق بالصعوبات الاقتصادية، فإن الغالبية العظمى من الروس لا يزالون يتمتعون بأسلوب حياة يمكن مقارنته بنمط الحياة في دول الاتحاد الأوروبي الأكثر فقراً، ويتناقض بشكل حاد مع ما عانوا منه طوال التسعينيات.

والأهم من ذلك أن تجربتهم الحربية تختلف عن تجربة الأوكرانيين ــ الذين تعرضوا لضربات جوية روسية أكثر وحشية، ويقضون فصل الشتاء في شقق غير مدفأة، ويتفادون عصابات التجنيد العنيفة التي تبحث عن الرجال في شوارع البلدات والقرى الأوكرانية.

وتشكل أوكرانيا ذاتها خير مثال لما يمكن أن تتحمله دولة ما بعد الاتحاد السوفييتي من دون تحدي الحكومة في احتجاجات حاشدة أو تمردات عسكرية.

وقد استخدمت روسيا نفسها نفس التكتيكات لاستهداف مصافي التكرير ضد أوكرانيا في وقت مبكر من الحرب. لقد تكيف الأوكرانيون، وكذلك الروس أيضاً.

ويسبب نقص الوقود الألم، لكن إنتاج النفط والغاز الروسي يظل على حاله. فهي بمثابة العمود الفقري للاقتصاد، مما يضمن قدرة البلاد على شن الحرب مع التكيف مع التحديات التي تفرضها أوكرانيا والتحالف الغربي.

كشهر مارس ورق وفيما يتعلق بتوقعات إنتاج النفط الروسي من قبل مركز الأبحاث الأمريكي، يؤكد مركز كارنيجي أن التحديات التي تواجهها روسيا “تقع ضمن قدرة الكرملين وصناعة النفط على التعامل مع الرياح المعاكسة والشدائد” على مدى السنوات الثلاث إلى الخمس المقبلة، والتي تعتبر حاسمة لتحقيق النصر في الحرب. وفي الأشهر التي تلت نشر الصحيفة، ملأت روسيا خزائنها بمليارات الدولارات الإضافية من النفط، وذلك بفضل إغلاق مضيق هرمز من قبل إيران. وهو الآن في وضع أفضل.

ومن ناحية أخرى، تعتمد أوكرانيا بشكل كامل على المساعدات الغربية، التي تجد صعوبة أكبر في الحصول عليها. وبعد أن خسرت ممولها الرئيسي، الولايات المتحدة، أصبحت الآن تعتمد في وجودها على الحكومات الأوروبية ــ وخاصة البريطانية والفرنسية والألمانية ــ التي تتعرض هي ذاتها لضغوط قوية من قِبَل اليمين المتطرف لوقف تمويل أوكرانيا.

وفي الأسبوع الماضي، أعلن زيلينسكي عن “عملية نفوذ” لمدة 40 يومًا، مما يعني المزيد من ضربات الطائرات بدون طيار، لإجبار روسيا على الموافقة على تسوية الصراع بشروط أكثر ملاءمة لأوكرانيا.

لكن روسيا لا تدير خدها الآخر. وقد شرعت في حملة خاصة بها لتدمير محطات البنزين على الضفة اليسرى لنهر دنيبرو لخنق الإمدادات للجيش الأوكراني والمدنيين.

وقد تتوصل أوكرانيا وحلفاؤها الغربيون إلى خطوة مفاجئة أخرى قد تسبب الكثير من الألم لروسيا. ولكن هناك فرصة معقولة لأن تشهد حملة زيلينسكي التي تستمر 40 يومًا نتائج مختلطة وقد لا تتغير الصورة الكبيرة جذريًا عن تلك التي نلاحظها اليوم.

إن النجاح الأكثر أهمية الذي فشلت أوكرانيا في تحقيقه حتى الآن هو وقف الهجوم البري الروسي. وبينما تروج وسائل الإعلام الغربية لهزيمة موسكو المتوقعة، فإن القوات الروسية مشغولة بوضع اللمسات الأخيرة على الاستيلاء على كوستيانتينيفكا، الأولى في سلسلة من المدن الصناعية التي تشكل تجمع شمال دونباس، وهي الجائزة الرئيسية للمرحلة الحالية من الحرب.

ومن الواضح من التعليقات الروسية الرسمية والخبيرة أن روسيا ترى حملة الطائرات بدون طيار الأوكرانية في المقام الأول بمثابة زيادة في العلاقات العامة تهدف إلى إقناع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب باستئناف دعم أوكرانيا.

ومثل العديد من المراقبين لأوكرانيا منذ فترة طويلة، فإن الروس لديهم أيضًا شعور حاد بأنهم سبق أن حدثوا من قبل – فقد رافقت ارتفاعات العلاقات العامة المماثلة الهجوم المضاد الفاشل الذي شنته أوكرانيا في عام 2023 والتوغل في منطقة كورسك الروسية.

ويشير مسار هذا الصراع حتى الآن إلى أن الطفرة الحالية يمكن أن تؤدي بسهولة إلى المزيد من التصعيد المريع الذي قد يحفز الكرملين على رفع ثمن السلام. وفي النهاية فإن أوكرانيا قد لا تكسب الكثير، باستثناء المزيد من المعاناة والخسائر.

الآراء الواردة في هذا المقال هي آراء المؤلف ولا تعكس بالضرورة السياسة التحريرية لقناة الجزيرة.



المصدر


اكتشاف المزيد من صحيفة رصد الإلكترونية

اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.

شاركها.
اترك تعليقاً

اكتشاف المزيد من صحيفة رصد الإلكترونية

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading