في ملعب كرة قدم صغير في دير البلح، وسط قطاع غزة، ترتفع موجة من الهتافات والضحك فوق الصمت المخيف للإبادة الجماعية المستمرة التي ترتكبها إسرائيل. على أرض الملعب، وهو أحد القلائل الذين نجوا من الحرب حتى الآن، تقوم مجموعة من الشابات ذوات الأطراف الاصطناعية بتمرير الكرة عبر سطح اللعب المصنوع من العشب الصناعي.

إنهم جزء من فريق من الشابات الفلسطينيات اللاتي فقدن أطرافهن في القصف الإسرائيلي أو بُترت أجزاء من أجسادهن بعد إصابتهن بالشلل.

تبدأ القصص هنا بالألم الذي تحمله كل لاعب خلال لحظات تلك الغارات الجوية، والرحلة الطويلة التي أعادتهم إلى أقدامهم.

وكان من الأمور الأساسية في هذا الدور الذي لعبه فريق كرة القدم للسيدات مبتوري الأطراف التابع لاتحاد فلسطين لمساعدتهم على التعافي جسديًا وذهنيًا من محنهم التي غيرت حياتهم.

منذ أن بدأت الحرب الإسرائيلية على القطاع في 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023، شهدت غزة أحد أعلى أعداد مبتوري الأطراف المسجلة في التاريخ الحديث.

وتقدر منظمة الصحة العالمية والسلطات الصحية الفلسطينية أن أكثر من 5000 شخص في غزة خضعوا لبتر أطرافهم في القصف الإسرائيلي.

الطريق إلى التعافي

ومن بين هؤلاء فرح أبو قيناس البالغة من العمر 23 عامًا، والتي كانت تجلس في ليلة 28 يونيو/حزيران 2024، البالغة من العمر 23 عامًا، في منزل جدتها عندما تعرض موقع قريب للقصف.

وأصيبت فرح بجروح خطيرة في ساقها اليسرى، فيما أصيبت ساقها اليمنى بحروق بالغة. في البداية، كانت تأمل أن العلاج سيعيد حياتها إلى طبيعتها، لكنها حصلت على تشخيص مدمر مفاده أنه بسبب خطورة الجروح في ساقها اليسرى، يجب بترها.

فقدت فرح أبو قيناس ساقها في غارة جوية عام 2024 [Omar Ashtawy/Al Jazeera]

ولم يكن فقدان إحدى ساقيه سوى جزء من المحنة؛ ما تلا ذلك كان العزلة وإدراك أن كل جانب من جوانب حياتها اليومية قد تغير إلى الأبد.

بعد الخروج من المستشفى، حتى أبسط الحركات أصبحت صعبة، وأصبح إعادة التأهيل البدني روتينًا يوميًا. مع مرور الوقت، شعرت أن عالمها يتقلص داخل جدران منزلها حيث كان تعافيها يسير بشكل أبطأ بكثير مما كانت تأمل.

كل هذا تغير عندما التقت، خلال جلسة العلاج الطبيعي، بفؤاد أبو غليون، رئيس اتحاد فلسطين لكرة القدم للمبتورين.

وكان قد ساعد في تأسيس فريق غزة للنساء مبتوري الأطراف، ويضم الآن 11 لاعبة – تسعة منهم مصابون ببتر في الأطراف السفلية ولاعبان ببتر في الأطراف العلوية ويلعبان كحارس مرمى.

وسرعان ما تلقت فرح دعوة للانضمام إلى إحدى دوراتهم التدريبية وقررت تجربتها. على الرغم من أن التكيف مع لعب كرة القدم كان صعبًا في البداية، فقد حظيت بدعم نساء أخريات مررن بتجارب مماثلة لتجربتها.

إنها تتحرك الآن بثقة أكبر داخل وخارج الملعب. وبمساعدة ساقها الاصطناعية، تطارد الكرة إلى جانب زميلاتها في الفريق روزان خيرة وعائشة العبادلة.

على الرغم من اختلاف قصصهم، إلا أن فرح وروزان وعائشة فقدوا أحد أطرافهم أو يعانون من إعاقة جسدية.

لقد جاء بحثهم عن مساحة لاستعادة الشعور بالهدف والثقة والانتماء من خلال فريق كرة القدم هذا.

أكثر من قصة

في 19 نوفمبر/تشرين الثاني 2023، في ذروة الحرب، دمرت غارة جوية منزلا مقابلا لمنزل روزان خيرة مباشرة، مما أدى إلى إصابتها بجروح خطيرة.

حاولت روزان النهوض من السرير لكنها لم تستطع. وفي عيادة قريبة، قال طبيب إن ساقها كانت متصلة بجسدها بقطعة صغيرة من الجلد، ولم يكن أمامهم خيار سوى بترها.

وهي الآن تتوازن على عكازيها وهي تمرر الكرة إلى زميل لها في الفريق عبر الملعب بإحساس رائع بالمثابرة والتحدي.

“ال [Israeli] وقالت للجزيرة: “لقد بتر الاحتلال أجسادنا، لكنه لم يستطع أن يبتر أحلامنا أو إرادتنا في الحياة”.

ولعب كفاح الفاخوري وفؤاد أبو غليون دورا أساسيا في الفريق
ولعب كفاح الفاخوري وفؤاد أبو غليون دورا أساسيا في الفريق [Omar Ashtawy/Al Jazeera]

عائشة العبادلة ولدت بذراع غير مكتملة ويعتقد الأطباء أن الإعاقة ربما تكون ناجمة عن تعرض والدتها للفسفور الأبيض، الذي استخدمته إسرائيل خلال الحرب الإسرائيلية الأولى على غزة عام 2008، عندما كانت حاملاً بعائشة.

اليوم، تحلم عائشة بأن تصبح حارسة مرمى منتخب فلسطين لكرة القدم للسيدات مبتوري الأطراف.

يقول فؤاد إن الفريق النسائي لم يكن يدور حول كرة القدم فحسب، بل كان يهدف أيضًا إلى خلق مساحة حيث يمكن للنساء، مثل عائشة، إعادة التواصل مع أنفسهن ومع الآخرين.

وفي نهاية المطاف، أصبحت كرة القدم وسيلة مهمة للتعافي الجسدي والنفسي بالنسبة لهم بعد الصدمة.

لا يزال الفريق يواجه تحديات هائلة، بما في ذلك الموارد المحدودة والدعم غير الكافي، لكنه تمكن من البقاء حتى الآن من خلال الجهود المجتمعية والشراكات.

ويأتي ذلك في الوقت الذي قُتل فيه 1009 من أعضاء المجتمع الرياضي الفلسطيني في حرب الإبادة الجماعية التي شنتها إسرائيل على غزة، مع القضاء التام تقريبًا على بنيتها التحتية الرياضية.

يقول الدكتور خضر أبو شمالة، أخصائي علم النفس الرياضي ومدرب فريق الأمل في غزة، إن فوائد لعب كرة القدم لمبتوري الأطراف تمتد إلى ما هو أبعد من إعادة التأهيل البدني.

وجدت حارسة المرمى عائشة العبدلي حياة جديدة من خلال كرة القدم
وجدت حارسة المرمى عائشة العبدلي حياة جديدة من خلال كرة القدم [Omar Ashtawy/Al Jazeera]

يعاني العديد من هؤلاء الناجين في البداية من العزلة والانسحاب. إن الانضمام إلى فريق مكون من أشخاص مروا بتجارب مماثلة يساعدهم على استعادة الثقة وإعادة التواصل مع المجتمع.

اليوم، تقف فرح وزملاؤها في ملعب كرة القدم ليس فقط كناجين من الحرب، بل كرياضيين ذوي طموحات وأهداف.

ربما فقدوا أجزاء من أجسادهم، لكنهم يتشبثون بما هو أكثر أهمية: التصميم على المضي قدمًا في الحياة.

في غزة، حيث خلفت الحرب إصابات غيرت حياة الآلاف وندوبًا نفسية عميقة، تكتب هؤلاء الشابات قصة مختلفة: إنها لا تبدأ بالخسارة، بل باللحظة التي اختارن فيها العيش مرة أخرى.



المصدر


اكتشاف المزيد من صحيفة رصد الإلكترونية

اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.

شاركها.
اترك تعليقاً

اكتشاف المزيد من صحيفة رصد الإلكترونية

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

متابعة القراءة